أحمد بن يحيى العمري

9

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

8 - وتأسيسا على ما نقّدم نستطيع القول باطمئنان إنّ شخصية العمري الناقدة ، وثقافته الواسعة ، ونجاحه في الاختيار يظهر جليّا سواء أكان في تلك المقدّمات أم في الشعر المختار ، فهو يفيد في تلك المقدمات من التراث النقدي ، والأدبي الذي سبقه ، وينتقي منه ما يقتنع به ويستصفي لكتابه ما هو لائق به ليصبّه أخيرا بأسلوبه الخاص ، ومنهجه الذي ارتضاه لنفسه . 9 - وممّا يتعلّق بالنقطة السابقة ، أي موقفه النقدي من الشعراء ، ما رأيناه من فصله الحاسم بين حياة الشاعر ، وما ورد في شعره من خروج على التقاليد ، وبين حكمه النقدي عليه ، فهو يبدو غير متأثّر البتّة بالأحكام الأخلاقية التي تزن الشاعر وشعره بميزان الحرص على القيم السائدة ، وترك الخروج عليها فله على سبيل المثال رأي حسن في ابن الحجّاج ، وابن منير الطرابلسي مع أنّ إبداعهما مليء بما يخدش الثابت والقارّ ، وكأنّه بذلك يرسخ ذلك الاتجاه القديم الجديد في النقد العربي من الدعوة إلى فصل الشعر عن الأخلاق ، والنظر إليه بمعايير الفنّ وحده ، وهو الاتجاه الذي نظّر له تنظيرا هامّا الناقد قدامة بن جعفر في كتابه [ نقد الشعر ] . وظلّت الجمهرة من النقّاد العرب وفيّة له على مرّ عصور النقد العربي ، وجاء العمري بأخرة ليدعمه من خلال الرأي ، والاختيار لكليهما . 10 - ومن الضروري أن نشير هنا إلى ما يظهر جليّا في تلك المقدمات من اصطناع صاحبها فيها لأساليب الصنعة اللفظية ، وأفانين الزخرفة اللغوية بحيث تكاد تكون هي الصوت المنفرد العالي فيها ، إذ يعمد بشكل مقصود إلى توظيف الجناس ، والطباق والسجع ، والتضمين حتى ليكاد القارئ يشعر أنّ القطعة ترزح تحت وطأة حمل كبير وترسف بأغلال ثقيلة تمنعها من التحرك والانطلاق ، ولعلّ هذا قد جاء منسجما مع أسلوب الكتابة السائد في عصره من جهة ، وهو يتناغم مع ما استقرّ عليه في الكتابة الديوانية التي صار جزءا أصيلا فيها من جهة أخرى . هذه هي الصورة العامة لهذا السفر ، وهو يتضافر مع أسفار الكتاب الأخرى مقدّما جهدا علميا نادرا ، وصبرا على التصنيف قلّ نظيره .